أحمد بن علي القلقشندي

202

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الطرف الثالث من الباب الأوّل من المقالة الأولى في صنعة الكلام ، ومعرفة كيفية إنشائه ، ونظمه ، وتأليفه ، وفيه مقصدان المقصد الأوّل [ في الأصول التي يبنى الكلام عليها وهي سبعة أصول ] الأصل الأوّل [ المعرفة بالمعاني ، والنظر فيه من وجهين ] الوجه الأوّل [ في شرف المعاني ، وفضلها ] إعلم أن المعاني من الألفاظ بمنزلة الأبدان من الثّياب ، فالألفاظ تابعة ، والمعاني متبوعة ، وطلب تحسين الألفاظ إنما هو لتحسين المعاني ، بل المعاني أرواح الألفاظ وغايتها التي لأجلها وضعت ، وعليها بنيت ؛ فاحتياج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى أشدّ من احتياجه إلى تحسين اللفظ ، لأنه إذا كان المعنى صوابا واللفظ منحطَّا ساقطا عن أسلوب الفصاحة كان الكلام كالإنسان المشوّه الصورة مع وجود الرّوح فيه ، وإذا كان المعنى خطأ كان الكلام بمنزلة الإنسان الميّت الذي لا روح فيه ؛ ولو كان على أحسن الصّور وأجملها . قال الوزير ضياء الدين بن الأثير في « المثل السائر » ( 1 ) : ومما رأيته من المدّعين لهذا الفن الذين حصلوا منه على القشور ، وقصروا معرفتهم على الألفاظ المسجوعة الغثّة ، التي لا حاصل وراءها ، أنهم إذا أنكرت هذه الحالة عليهم ؛ وقيل لهم : إنّ الكلام المسجوع ليس عبارة عن تواطؤ الفقر على حرف واحد فقط ، إذ لو كان عبارة عن هذا وحده لأمكن أكثر الناس أن يأتوا به من غير كلفة ، وإنما هو أمر وراء هذا ، وله شروط متعدّدة ، فإذا سمعوا ذلك أنكروه لخلوّهم عن معرفته ،

--> ( 1 ) « المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر » لابن الأثير الجزري المتوفى سنة 637 ه .